إشارات هيرود على الشاشـات

الملك هيرود يُلَقّن النقاط عبر الزمن لتحديد البِيكْسلات على شاشة الطيار الإسرائيلي. فيستخدم الأخير حاوية التوجيه للتعرف إلى الهدف وتمرير الإحداثيات إلى قائد الأرض. مذبحة الأبرياء تتم في ثوانٍ بالموافقة الفورية. يغضب هيرود من خداع كهنة الزرادشتية المجوس العائدين إلى إيران، ولا يتحمل عدم تمكنه من تحديد مكان الطفل على أرض كنعان. تدابيره قاسية للتخلص من أي تهديد وجودي، وإلا تحَوّل ما يعتبره حسينٌ يسوعي إلى خطر وجودي في الكِبَر، أينما تواجد الطفل في لبنان أو فلسطين.
العقل الإسرائيلي محكوم بإستراتيجية هيرود الانتقامية، على عكس ما يكتنزه هانيبعل بركة من إلهام مقاوم في سره. لذلك «إستراتيجية هانيبعل» الإسرائيلية غير صالحة مجازياً ولا عملياً، ليست اسماً على مسمى. الصهيوني يستحوذ غصباً على ثقافة الكنعاني الخلّاقة في كل جوانب الحياة التاريخية والمعاصرة من السلم والحرب، كما سرَقَ ثقافة الطهي من مطبخنا والأشجار من أراضينا. في مقاومته ضد الإمبريالية الرومانية، اعتمد هانيبعل بركة نهجاً تكتيكياً ناجحاً وذكياً ضد الجيش الروماني. لكن في حالة الجيش الإسرائيلي، تمت سرقة اسم هانيبعل لتسمية أسلوب عسكري مختلف يتجاوز القواعد التي تمنع أسر الجنود ويمتد حتى قتل صريح وفاجر للمدنيين. في ذلك شر وتصعيد عنفي وقاسٍ بشكل مفرط لقتل الصديق والعدو، بغض النظر عن الأضرار الجانبية. اسم هانيبعل بركة القرطاجي بريء من هذا الإجرام.
العبراني مخترع العلامات الشريرة عبر التاريخ. في كل طلعة من طلعات الطيار الإسرائيلي تكمن علامة تتعدى العصور والجغرافيا. هيرود وضع علامة ذبح استهدفت كل منزل يحتوي على طفل ذَكَر دون الثانية في بيت لحم وجوارها، بموجب مرسوم ملكي لِقتل «الملك الذي وُلِد». نزح يوسف مع الطفل ووالدته جنوباً عبر غزّة الأبية إلى الأمان في مصر، ليلاقي نازحي الجنوب والبقاع وبيروت الذين لحقت بهم آلة القتل الصهيوني. العبراني قتل السيد المسيح مليون مرة، أولها بذبح كل أطفال بيت لحم، وثانيها على الصليب، قبل أن تتكاثر أوامر القتل الإسرائيلي بالتسلسل الهندسي، اعتماداً على العلامات الخوارزمية المستحدثة من برامج الذكاء الاصطناعي في وزارة الدفاع الأميركية، بينها مشروع «نِمبل» بالتعاقد مع «غوغل» و«أمازون». عبر التغريدات والرسائل الرقمية، انتشى أفيخاي أدرعي في وضع قُبلة الموت كعلامة على مبنى اللبناني الوديع في بيته، دقائق قبل التنفيذ. أسقط علامات من السماء على بيوت مختارة اصطناعياً في كل أحياء المدن والبلدات، تماماً كما فعل رب العبرانيين، عندما دشّن إستراتيجية هيرود لأول مرة بإنزال العلامات الإلهية على مصر الفرعونية، ولكن بهدف عكسي للحماية والتدمير في آن معاً. حدد العبرانيون منازلهم بدم الخروف على الأبواب، لكي يقفز فوقها ويتجاوزها الطاعون الإلهي الذي قتل الولد-البكر من كل عائلة مصرية.
في كل طلعة من طلعات الطيار الإسرائيلي تكمن علامة تتعدى العصور والجغرافيا
علامات هيرود غير حصرية وقابلة للاقتباس، بما فيها في بعض الكتب الأدبية. تدور أحداث كتاب «الوباء» (ديفيد زندال) في مستقبل بعيد يجمع بين عناصر الأوبرا الفضائية والدستوبيا، حيث يستخدم الغزاة الفضائيون ضد المستعمرات البشرية إستراتيجية التحديد البيولوجي بإصابة مناطق معينة بالفيروس، كإشارة لقواتهم عندما يحين وقت الهجوم والإبادة. تتضمن ثلاثية نجيب محفوظ في القاهرة شخصيات يتم تحديدها بإشارات على حياتها ومنازلها، إما من قبل السلطات البريطانية أو فصائل مصرية، تحسباً للهجوم عليها وقمعها سياسياً واجتماعياً.
ألهَمَت علامات هيرود الكثير من الأفعال الشريرة بين الشعوب الأوروبية. خلال الحروب الصليبية واجتياح مناطقنا، كان الصليبيون أحياناً يحددون بالعلامات المنازل أو الكنائس التي نَووْا الاستيلاء عليها أو تدنيسها. ليلة «الكريستالنخت»، وهي ليلة الزجاج المحطم في التاسع والعاشر من نوفمبر 1938، وضع النازيون علامات النجوم الصفراء أو رموزاً أخرى على منازل اليهود في أنحاء ألمانيا والنمسا في هجوم عنيف. كذلك فعلوا في المناطق التي احتلوها لاحقاً، لتمييز البيوت من أجل الاضطهاد أو الترحيل. كما وضع الفرنسيون العلامات على الرجال والنساء والأطفال اليهود في «فيلودروم د›يفر» (استاد الدراجات الشتائي) لترحيلهم إلى أوشفيتز. الصهيوني يتذكر تلك المآسي في أوروبا، وينتقم من العربي.
ما سر هذه النقمة المزمنة؟ لا ريب أن أسبابها وجذورها أبعد بكثير من المقاومات اللبنانية والفلسطينية، أو النكبة والهولوكوست. أشك أن علامة القتل الأولى ابتدأت فقط بعد عبور نهر الأردن وقبل احتلال مدينة أريحا، حين اُعطِيَت الأوامر بوضع العلامة العكسية على شيئين فقط لا غير في سفر يشوع 1: المومس والذهب. «رَاحَاب الزَّانِيَة فقط تَحْيا هي وكُل مَن معها في البيت» (لأنها خبّأت الجواسيس)، «وكُل الفِضَّة والذَّهب وآنِيَة النُّحَاس والحديد». ثم أغاروا «وحَرَّموا كُل ما في المدينة مِن رَجُل وامْرأَة، مِن طفل وشيخٍ، حتى البقر والغنم والحمير بِحَدِّ السيف»، وما لبثوا ان «أَحرَقوا المدينة بالنار مع كُل ما بِهَا» ما عدا العلامتَيْن. نقمة العبراني المزمنة تتخطى حركة العبور الأول؛ ربما تعود أسبابها إلى الكراهية الذاتية في جرود حران العراقية، والرغبة الأنانية في الاستحواذ غصباً على ما لا يملكه في أرض «الميعاد» البعيدة.
الحرب على لبنان مستمرة رغم قرار مجلس الأمن رقم 1701 المكرر. هدنة لن تدوم طالما وجد النتن الإسرائيلي 1700 عذر وعذر لخرقها ومتابعة تقويض حاضنة المقاومة اللبنانية من الداخل السوري. مهّدَت الآلة الإعلامية الإسرائيلية للقتل بالبيكسلات، إلى جانب بعض المحطات اللبنانية والعربية المتماشية، لصبغ علامات هيرود بشرعية واهية وكأنه عمل عسكري ضد أهداف عسكرية محددة: علامات على الشاشة تشي زيفاً عن صاروخ بالستي مخبأ تحت الوسادة في غرفة نوم، عن مقاتل للحزب يقاوم من الصالون، عن خلية «عسكرية» للقرض الحسن، أو عيادة طبية ومنصة كورنيت داخل «اشكمان» سيارة قابعة في ملجأ المبنى؛ جميعها أمثلة قتْل على الهوية الإنسانية ضد منشآتٍ مدنية محض، قتْل دون التحقق من صحة البيانات، وعشوائية صارخة لا ترتقي إلى مبدأ التناسب في قوانين الحرب. معاناة الكنعاني التاريخي واللبناني/الفلسطيني المعاصر هي سلسلة متواصلة من نقمة هيرود على بَرَكة هانيبعل. لهذه الحرب تكملة ليست بعيدة.
* كاتب لبناني
